ابن كثير

387

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

قال أبو جعفر الرازي « 1 » عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية في قوله تعالى : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ قال : هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة ، فلما نزلت كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقاتل من قاتله ، ويكف عمن كف عنه ، حتى نزلت سورة براءة . وكذا قال عبد الرحمن « 2 » بن زيد بن أسلم ، حتى قال : هذه منسوخة بقوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ التوبة : 1 ] وفي هذا نظر ، لأن قوله الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله ، أي كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم ، كما قال : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [ التوبة : 36 ] ولهذا قال في الآية : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أي لتكون همتكم منبعثة على قتالهم ، كما همتهم منبعثة على قتالكم ، وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها قصاصا . وقوله : وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ أي قاتلوا في سبيل اللّه ، ولا تعتدوا في ذلك ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي ، كما قاله الحسن البصري : من المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ ، الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم ، والرهبان وأصحاب الصوامع ، وتحريق الأشجار ، وقتل الحيوان لغير مصلحة ، كما قال ذلك ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان وغيرهم ، ولهذا جاء في صحيح مسلم ، عن بريدة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول : « اغزوا في سبيل اللّه وقاتلوا من كفر باللّه ، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع » رواه الإمام أحمد وعن ابن عباس قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا بعث جيوشه قال « اخرجوا باسم اللّه قاتلوا في سبيل اللّه من كفر باللّه لا تعتدوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع » رواه الإمام أحمد « 3 » ، ولأبي داود عن أنس مرفوعا نحوه . وفي الصحيحين عن ابن عمر قال : وجدت امرأة في بعض مغازي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مقتولة ، فأنكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قتل النساء والصبيان . وقال الإمام أحمد « 4 » : حدثنا مصعب بن سلام ، حدثنا الأحلج عن قيس بن أبي مسلم ، عن ربعي بن حراش ، قال : سمعت حذيفة يقول : ضرب لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمثالا واحدا وثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة ، وأحد عشر ، فضرب لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منها مثلا وترك سائرها ، قال « إن قوما كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداوة ، فأظهر اللّه أهل الضعف عليهم ، فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم ، فأسخطوا اللّه عليهم إلى يوم القيامة » هذا حديث حسن الإسناد ، ومعناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء فاعتدوا عليهم فاستعملوهم

--> ( 1 ) تفسير الطبري 2 / 195 . ( 2 ) تفسير الطبري 2 / 195 . ( 3 ) المسند ( ج 1 ص 300 ) ( 4 ) المسند ( ج 5 ص 407 )